تحول التمدد الإسرائيلي نحو مرتفعات “علي الطاهر” في جنوب لبنان من مناورة تكتيكية إلى نقطة حسم إستراتيجية تتعدى جغرافيتها المباشرة. ويأتي إصرار إسرائيل على اقتطاع التلة ضمن “الخط الأصفر” أو منطقة الدفاع المتقدم لتفكيك البنية التحتية لحزب الله، ليعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية ومأزقاً حاداً يواجه إستراتيجية “الدفاع المتقدم” الإيرانية.
حزام أمني وفرض واقع دائم
تعتبر إسرائيل تلة “علي الطاهر” -التي ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر وتشكل امتداداً لقلعة الشقيف- نقطة ارتكاز عملياتية لحزب الله شمال نهر الليطاني، مع تركيز إسرائيلي على الأنفاق والبنية التحتية الواقعة أسفل المرتفع الممتد نحو جبل الريحان وجبل صافي. وقد أُدرجت التلة تدريجياً ضمن “منطقة الدفاع المتقدم”، بالتوازي مع تجريف الغطاء النباتي وعمليات النسف والتدمير الممتدة من الناقورة إلى مرتفعات جبل الشيخ.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استكمال عملية عسكرية في المرتفعات، مؤكداً أنها لم تعد تشكل تهديداً لإسرائيل بعد إنهاء عمليات تطهير البنية العسكرية فيها. كما أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة العملياتية على المنطقة فوق الأرض وتحتها، واستكمال تمشيط وتفكيك المنشآت والأنفاق المقامة منذ نحو عقدين.
من جهته، يوضح الخبير العسكري العميد إلياس حنا أن التلة -ضمن مجمع تكتيكي بمساحة 4.5 كيلومترات مربعة يضم تلة الدبشة وقلعة الشقيف- تمنح سيطرة ونفوذاً ناريين على كفر تبنيت والنبطية وكفر رمان وإقليم التفاح، وتشكل مع بلدة الخيام حزاماً أمنياً لحماية “إصبع الجليل”. وأكد حنا أن إسرائيل بدلت عقيدتها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 من “الردع وجز العشب” إلى “القتال الاستباقي والتدمير المنهجي” للمنظومة والبيئة الحاضنة، سعياً لفرض واقع أمني دائم على مساحة تتجاوز 600 كيلومتر مربع تحتلها في لبنان.
مأزق “الدفاع المتقدم” وتآكل الردع
اكتسبت التلة -الواقعة ضمن نطاق “منطقة بدر” العسكرية للحزب- بُعداً جيوسياسياً إقليمياً عقب التهديدات الإيرانية بالرد في حال اقتحامها. ويشير حنا إلى أن طهران باتت أمام اختبار جدي لإستراتيجية “الدفاع المتقدم”؛ إذ إن عدم الرد يعكس تخلياً عن الوكيل الميداني، بينما يجر الرد ضربات إسرائيلية حتمية قد تطال البنية التحتية للطاقة في إيران.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع ورود أنباء عن احتجاز إسرائيل لعناصر وضباط رفيعي المستوى من الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. وفي هذا الإطار، كشف 3 مسؤولين مطلعين أن إيران حذرت الولايات المتحدة -عبر رسالة سلمت إلى عُمان منتصف الشهر الماضي- من أنها سترد بقوة على أي هجوم إسرائيلي على التلة حيث يتحصن عسكريون إيرانيون إلى جانب مقاتلي حزب الله.
معضلة التفاوض والانسداد السياسي
يخلص الخبير العسكري إلى أن رفض حزب الله مقترح تسليم التلة للجيش اللبناني، مع عدم ثقة تل أبيب بأي طرف ثالث، يكرّس الانسداد في المفاوضات المباشرة.
ويكشف هذا المشهد عن معضلة هيكلية تجعل السلطة السياسية اللبنانية عاجزة عسكرياً، بينما يرفض الطرف القادر عسكرياً الإطار السياسي مرتهناً بالقرار الإيراني، مما يمهد لترسيخ حزام أمني إسرائيلي دائم يعيد إلى الأذهان تجربة الشريط الحدودي الممتد بين عامي 1985 و2000، وسط تصعيد عسكري متواصل بغارات مكثفة في الجنوب تزامناً مع جهود تنفيذ التفاهمات الأمنية.
ختاماً، يعكس مشهد السيطرة الإسرائيلية على تلة “علي الطاهر” تحولاً جوهرياً يتجاوز المكاسب الميدانية التكتيكية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والردع في جنوب لبنان. وبينما تجد طهران نفسها أمام اختبار غير مسبوق لنجاعة إستراتيجية “الدفاع المتقدم” في وجه العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة، يظل الداخل اللبناني هو الحلقة الأضعف؛ إذ تدفع الدولة وسيادتها فاتورة الانسداد السياسي وارتهان قرار الحرب والسلم للحسابات الإقليمية، مما يفتح الباب أمام تثبيت واقع أمني اقتطاعي دائم يهدد الاستقرار على المدى الطويل.











Leave a Reply