جاهزية عسكرية شاملة: كيف تدمج الصين التشريع والاقتصاد والتكنولوجيا في استراتيجيتها الدفاعية؟

تبني الصين جاهزية عسكرية شاملة ومتبادلة لا تقتصر فقط على تحديث الأسلحة والعتاد وتطوير القوات العسكرية، بل تمتد لتشمل البنية التشريعية، والأنظمة الاقتصادية، والتقدم التكنولوجي، والإسناد اللوجيستي، إضافة إلى التدريب والانتشار الميداني. وتبيّن التقارير الإعلامية الصينية توجهاً واضحاً يهدف إلى تأمين تسريع التحول المنظم من حالة السلم إلى أوقات الطوارئ والحرب، مع العمل على توسيع نطاق حركة جيش التحرير الشعبي ليعمل في بحر جنوب الصين، وغرب المحيط الهادي، والمناطق الممتدة حولهما.

الجاهزية وقانون التعبئة

شهدت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب الصيني في 28 أغسطس/آب 2026 تنقيحاً لقانون التعبئة للدفاع الوطني، ومن المقرر أن يصبح نافذاً بحلول الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحسب ما ورد في صحيفة الشعب اليومية. وتوضح المادة الأولى من النص المعدل أن الهدف الأساسي يتمثل في تطوير الدفاع الوطني، ورفع كفاءة نظام التعبئة وضمان انتظام إجراءاتها لحماية سيادة الدولة، ووحدتها، وسلامة أراضيها، وأمنها، ومصالحها التنموية.

ويحدد القانون مفهوم التعبئة بوصفها مجموعة من التدابير القانونية التي تسمح للدولة عند وجود تهديد لمصالحها الأساسية بتحقيق الانتقال السريع بين زمن السلم والحرب، وتحويل الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية إلى مقدرات دفاعية. وبناءً عليه، لا يطرح القانون كنص يعلن تعبئة وشيكة، بل كغطاء تشريعي استباقي يحدد الموارد والسلطات والالتزامات للتعامل مع أي أزمة أو تهديد مباشر.

ويأتي هذا في سياق أمني أوسع؛ حيث ألمحت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” إلى أن أي مواجهة محتملة حول تايوان قد تتطلب عمليات عسكرية طويلة الأمد ومكثفة، مع احتمال الدخول في مواجهة أمام القوات الأمريكية وقوات حليفة لها في غرب المحيط الهادي. كما يشكل بحر جنوب الصين مسرحاً عملياتياً شاسعاً يستدعي قدرات متصلة في مجالات النقل، والإسناد، والمراقبة، والقيادة، والسيطرة.

تعبئة المجتمع والاقتصاد

تنص المادة الثالثة من القانون على جعل أعمال التعبئة تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وتربطها بتطبيق رؤية شي جين بينغ لبناء جيش قوي، ومفهوم الأمن القومي الشامل، إلى جانب التوجيه الإستراتيجي العسكري للعصر الجديد. وتؤكد المادة ذاتها على الموازنة بين متطلبات السلم والحرب، والتنسيق الوثيق بين القطاعين العسكري والمدني، ودمج الحاجات العسكرية في النسيج المجتمعي.

وتدعم البنود الأخرى هذا النهج عبر رفع كفاءة نظام التعبئة بتقنيات المعلومات والأنظمة الذكية، وإصدار منظومة متكاملة لخدمات البيانات المترابطة مع ضمان أمنها، إلى جانب دعم استخدام التكنولوجيا المتقدمة وتنمية قدرات التعبئة في القطاعات الناشئة. إضافة إلى ذلك، يلزم القانون بإعداد خطط تعبئة على المستويين الوطني والمحلي، ووضع خطط تنفيذية دقيقة، ومباشرة مسوحات إحصائية دورية لرصد الإمكانات البشرية، والصناعية، واللوجيستية.

وتُلزم التوجيهات الحكومات المحلية بإدراج ترتيبات التعبئة في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بينما تُكلف المؤسسات العسكرية بدمج الخطط التنفيذية ضمن خطط الجاهزية القتالية. ويوضح ذلك أن بكين تنظر إلى البيانات، والإنتاج، والنقل، والطاقة، وسلاسل الإمداد بوصفها ركائز حيوية لضمان القدرة الدفاعية واستمراريتها وليست مجرد أدوات مدنية منفصلة عن الجهد العسكري.

وتلزم المادة 10 المؤسسات والمواطنين بالانتهاء من تحضيرات التعبئة في السلم، ثم أداء الواجبات المحددة فور صدور قرار التعبئة. وفي المقابل، توجب المادة 11 حماية أسرار الدولة، والأعمال، والأسرار التجارية، والبيانات الشخصية التي يتم الاطلاع عليها خلال تنفيذ إجراءات التعبئة.

أما المادة 58، فتفرض أداء “خدمة الدفاع الوطني” على الذكور بين سن 18 و60 عاماً، والإناث بين 18 و55 عاماً، ضمن استثناءات محددة قانوناً. وتلزم كذلك قطاعات النقل، والاتصالات، والأمن السيبراني، والصحة، والغذاء، والطاقة، والإنشاءات، والإعلام، والبحث، والإنتاج العسكري بتأسيس فرق دعم متخصصة وتدريبها لخدمة الأغراض الدفاعية، مما يوسع نطاق المساندة الشعبية والتنظيمية للقوات المسلحة.

صلاحيات الاستجابة العاجلة

يعطي القانون لمجلس الدولة واللجنة العسكرية المركزية السلطة لاتخاذ تدابير تعبئة عاجلة عند تعرض السيادة، أو الوحدة، أو سلامة الأراضي، أو الأمن، أو مصالح التنمية لتهديد مباشر يستدعي تحركاً فورياً، شريطة رفع تقرير بذلك إلى اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب. وتتضمن الخيارات استدعاء قوات الاحتياط، وتوجيه المواد الإستراتيجية، وزيادة الإنتاج والصيانة العسكرية، وتسخير الخدمة المدنية المساندة.

كما يبيح القانون عند إعلان التعبئة اتخاذ تدابير خاصة تشمل قطاعات المال، والنقل، والاتصالات، والإعلام، وشبكات المعلومات، والطاقة، والمياه، والصحة، والغذاء، والتجارة، مع إعطاء القوات المسلحة أسبقية في النقل والخدمات المرافقة للعمليات. ويؤكد هذا المنظور أن الاستجابة الصينية لا تنحصر في تحريك القطعات العسكرية فحسب، بل تعتمد على قدرة الدولة على الدمج السريع بين القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، وإدارة تدفق الموارد والمعلومات والخدمات في زمن قياسي وتحت قيادة مركزية.

دوريات هوانغيان والردع

بالتوازي مع التطوير التشريعي، أوضحت صحيفة غلوبال تايمز أن تشكيلات بحرية وجوية تابعة لقيادة المسرح الجنوبي لجيش التحرير الشعبي نفذت دوريات جاهزية في المساحات التي تتناولها الصين بوصفها “بحرها الإقليمي ومجالها الجوي حول هوانغيان” (شعاب سكاربورو). وتبرز أهمية هذه المنطقة الإستراتيجية لوقوعها في نطاق بحري متنازع عليه، وارتباطها بمسارات الملاحة الدولية ومصايد الأسماك والموارد البحرية.

وأفادت القيادة بأن الدوريات التي زادت حدتها منذ شهر أغسطس/آب تهدف إلى تثبيت السيطرة على المناطق البحرية والجوية المعنية، ومواجهة التجاوزات والأعمال الاستفزازية. وأظهرت التغطيات المصورة مشاركة طائرة التدريب المتقدمة (JL-10) وهي تحمل صواريخ حية، إلى جانب المدمرة من طراز (052C)، والفرقاطة من طراز (054A)، وسفينة الإنزال البرمائية من طراز (071)، والقاذفة (H-6K).

ويظهر هذا التشكيل وجوداً عملياتياً يدمج المراقبة، والاعتراض، والإنذار، والإسناد، والقدرات الهجومية بعيدة المدى. كما يوجه تنوع القطاعات المشاركة رسالة بخصوص رغبة الصين في الجمع بين مراقبة المناطق المتنازع عليها والقدرة على رفع مستوى الردع عند الحاجة، مع الاحتفاظ بمرونة في التحكم بتصعيد الموقف.

ونقلت الصحيفة عن خبير عسكري أن استعانة الصين بطائرة (JL-10) تعكس “ضبط نفس إستراتيجياً”، كالمواءمة بين السرعات البطيئة والعمليات المنخفضة للمراقبة وإطلاق التحذيرات، مع البقاء في إطار جاهزية قتالية بالذخيرة الحية دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة. وأضاف الخبير جانغ شويه فنغ أن إقحام المدربين في مهمات الاعتراض الفعلية يمنحهم خبرة قتالية حية ينقلونها لاحقاً للمتدربين لرفع المعايير التدريبية.

وفي السياق السياسي، صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع جانغ شياوغانغ بأن بكين ستتصدى للمحاولات التي تهدف لإثارة القلاقل بدعم خارجي، وتعمل على حفظ السلام والاستقرار في بحر جنوب الصين.

تدريب وشراكات بحرية

استكمالاً لخطط الكفاءة البحرية، أعلنت صحيفة هوان تشيو عن مناورات جوية وبحرية مشتركة تجمع البحريتين الصينية والسنغافورية تحت اسم “التعاون البحري 2026” في بداية سبتمبر/أيلول بمدينة جان جيانغ في مقاطعة غوانغ دونغ. وتشتمل المناورات على الرماية بالذخيرة الحية، والإمداد في عرض البحر، وعمليات البحث والإنقاذ المشتركة.

وتطرح وسائل الإعلام الصينية هذه التدريبات كأداة لتعزيز الثقة والتنسيق لخدمة الاستقرار الإقليمي، غير أنها في الوقت نفسه تعكس اهتماماً صينياً بتطوير مهارات الإمداد البحري والعمل المشترك، وهي ركائز أساسية لإدامة العمليات البحرية في البيئات المتوترة.

قدرات جوية أبعد

أشارت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى دور عائلة طائرات (Y-20) في توسيع المدى العملياتي للقوات الجوية الصينية. واستشهدت الصحيفة بمهمة نُفذت في أبريل/نيسان 2022 شملت 12 طلعة لطائرات (Y-20) لنقل منظومات الصواريخ (FK-3) إلى صربيا، لتسليط الضوء على قدرة الصين في نقل عتاد عسكري ثقيل من شرق آسيا إلى القارة الأوروبية.

وتصل الحمولة القصوى لطائرة (Y-20) إلى ما يقارب 66 طناً بمدى طيران يصل لـ 3,700 كيلومتر بتلك الحمولة. وقد صُمم برنامج الطائرة لمعالجة النقص في أسطول النقل الجوي وتجاوز صعوبة التزود بالمزيد من طائرات (Il-76) و(Il-78) الروسية.

وتبرز النسخة (Y-20B) بسبب تزودها بمحركات (WS-20) محلية الصنع، مما يعطي الصين استقلالية أكبر في عمليات الإنتاج والتطوير. كما أوضح التلفزيون الرسمي إمكانية تحويل هذه المنصة بين مهمات النقل والتزود بالوقود في الجو، وهو ما يضمن مرونة عالية في نقل القوات أو إسناد المقاتلات.

وفي هذا الصدد، تساهم طائرات (YY-20A) في زيادة المدى العملياتي للمقاتلات؛ حيث زودت مقاتلة “رافال” مصرية بالوقود جوياً خلال تدريبات مشتركة في أغسطس/آب. كما تشكل (Y-20B) النواة الأساسية لطائرة الإنذار المبكر والقيادة (KJ-3000) التي تجري عليها الاختبارات منذ أواخر 2024 لتعقب الأهداف وتنسيق العمليات في المساحات الشاسعة.

تعكس هذه البيانات استراتيجية صينية متكاملة؛ حيث ينظم التعديل التشريعي تعبئة الموارد البشرية والاقتصادية والبيانات عند الضرورة، بينما توفر طائرات (Y-20) قدرات النقل والقيادة الجوية، وتستمر الدوريات البحرية والمناورات المشتركة في تثبيت الردع وتعزيز التنسيق الميداني.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *