تركيا أم إسرائيل.. من يكسب السباق إلى لبنان؟

ظل لبنان لسنوات ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي بين أطراف متعددة، مثل سوريا، وإيران، وإسرائيل، وفرنسا، والولايات المتحدة، في حين بقي الحضور التركي محدوداً ومقتصراً على مجالات محددة. إلا أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 10 يونيو/حزيران 2026 عكست تحولاً بإن أمن بلاده يبدأ من حلب ودمشق وبيروت.

الرؤية التركية ومستجدات البيئة الإقليمية

تأتي هذه التحركات التركية في إطار استراتيجية رسمها مسؤولو أنقرة للتعامل مع التحولات الميدانية؛ حيث أوضح أردوغان في 9 يونيو/حزيران 2026 أن العمليات التركية في العراق وسوريا أسست لمفهوم “القضاء على الإرهاب في مصدره” وإنشاء خطوط أمنية متقدمة.

وتستند هذه التوجهات إلى الخطة الاستراتيجية لوزارة الخارجية التركية (2024–2028)، والتي تنص على الانتقال من مجاراة النظام الإقليمي إلى الإسهام في تشكيله، وهو ما أكده وزير الخارجية هاكان فيدان بضرورة تحول تركيا إلى طرف ينتج الأمن والرفاه في جوارها الجغرافي اعتماداً على الأمن، القوة العسكرية، والاقتصاد.

وفي السياق ذاته، أدى انحسار النفوذ الإيراني في الشام إلى فتح المجال الجيوسياسي، غير أن أنقرة باتت تنظر بوجل إلى التمدد الإسرائيلي في جنوب سوريا ولبنان. وفي المقابل، عبر وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي عن قلق تل أبيب من الدور التركي المتصاعد في سوريا، معتبراً إياه خطراً استراتيجياً يتجاوز التأثير الإيراني.

موقع لبنان في الاستراتيجية التركية

يتداخل الملف اللبناني مع الحسابات التركية عبر عدة مسارات مترابطة:

  • حماية الأمن السوري: النظر إلى استقرار لبنان بصفته مدخلاً لمنع اضطراب الساحة السورية.
  • موازنة النفوذ الإسرائيلي: التصدي لمحاولات فرض أطر أمنية أو جغرافية تسعى لإبعاد أنقرة عن شرق المتوسط.
  • الملف البحري والطاقة: متابعة التطورات المتصلة باتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص، الموقع في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
  • مشروعات الربط الإقليمي: ربط الموانئ والشبكات اللبنانية بالبنية التحتية الإقليمية وطريق التنمية عبر الأراضي السورية.
مسارات التواصل والتعاون الثنائي

شهدت الفترة بين يونيو وتوز/يوليو 2026 تكثيفاً في اللقاءات الرسمية؛ شملت زيارات لكل من نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري، ورئيس الحكومة نواف سلام، والرئيس جوزيف عون إلى أنقرة لمناقشة ملفات الدعم العسكري والاقتصادي.

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، التقى قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل بوزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس الأركان سلجوق بيرقدار أوغلو على هامش معرض “ساها 2026”. وأبدت أنقرة استعدادها للإسهام في تجهيز الفوج النموذجي بالجيش اللبناني المشارك في ترتيبات الجنوب عقب انتهاء مهمة اليونيفيل.

كما شملت المباحثات جوانب اقتصادية واستثمارية، كإحياء خطوط السكك الحديدية (طرابلس – حمص وبيروت – دمشق) وربطها بسكة حديد الحجاز، إلى جانب توسيع الأنشطة التنموية لوكالة “تيكا” والمؤسسات الثقافية.

العقبات والتحديات الميدانية

تواجه مساعي ترسيخ الدور التركي في لبنان عدداً من القيود الهيكلية:

  • الرفض الإسرائيلي: الاعتراض العسكري والأمني المباشر على أي تواجد تركيا بالقرب من الحدود الجنوبية.
  • التعقيدات الداخلية اللبنانية: طبيعة التوازنات الطائفية والحزبية التي تمنع انفراد أي طرف خارجي بالنفوذ.
  • تحديات البنية التحتية: البطء في تأهيل شبكات النقل والربط الإقليمي عبر الأراضي السورية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *