إصدار: مركز اليمن الرقابي
مقدمة الدراسة
- نقطة التحول الاستراتيجية: شكل سقوط نظام الأسد (8 كانون الأول / ديسمبر 2024) انتقالة في المقاربة الإسرائيلية من إدارة اتفاقية فصل القوات (1974) واحتواء التهديدات، إلى محاولة إنتاج واقع أمني وسياسي جديد في سورية.
- أنماط التدخل الإسرائيلي جديد:
- تدمير ممنهج لمقدرات الجيش السوري وتوغل بري واحتلال مواقع في المنطقة العازلة وخارجها.
- إعادة توزيع الأدوار جغرافياً: تمركز 95.9% من العمليات في الجنوب السوري (78.6% منها في القنيطرة) لضبطه ميدانياً، مع تعطيل العمق استراتيجياً.
- استهداف 79.9% من العمليات للمجالات المدنية مقابل 20.1% للأهداف العسكرية.
- هيمنة التوغلات البرية (77.7%) مقابل العمليات الجوية (18.6%) والقصف المدفعي (3.7%).
أولاً: دول الطوق السوري (قيود المصالح المتقاطعة)
1. تركيا: التنافس على النموذج والدور
- تصوران متناقضان: تسعى إسرائيل لإبقاء سورية مجالاً أمنياً ضعيفاً ومفككاً، بينما تدعم أنقرة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وإدماجها إقليمياً.
- إعادة هيكلة الجيش ودمج “قسد”: ترى تركيا في بناء الجيش السوري ودمج التشكيلات المحلية (“قسد”) مدخلاً لإعادة توحيد القرار وضبط الحدود، بينما تنظر إسرائيل للجيش المدعوم تركياً كتهديد يحد من حريتها الأحاديّة.
- أبعاد النفوذ والإطار التنسيقي: تسعى تركيا لربط سورية بمشاريع النقل والتجارة، بالتنسيق مع السعودية وقطر، ضمن شبكة تنسيقية تضم أيضاً باكستان ومصر.
2. العراق: وحدة الدولة وتشابك المجال الأمني
- الأمن القومي ووحدة الجغرافيا: تتقاطع مصالح بغداد مع دمشق في ضبط الحدود ومكافحة “داعش”، وتخشى العراق من أن يؤدي تفكيك سورية إلى تكريس كيان كردي على حدودها الغربية يضعها بين كيانين كرديين.
- الممر الاقتصادي: تراهن بغداد على إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك-بانياس ومشاريع “طريق التنمية” والربط الإقليمي المتجه نحو الخليج وتركيا.
3. الأردن: العمق الأمني والوظيفة الجيوسياسية للجنوب
- مرفوضية الترتيبات المحلية: يرفض الأردن المحاولات الإسرائيلية لإدارة الجنوب عبر ترتيبات محلية أو تحت عناوين كـ “حماية الدروز”، ويرى أن الاستقرار يتحقق بوجود دولة مركزية قادرة على مكافحة شبكات تهريب المخدرات والسلاح.
- الربط التجاري: استقرار الجنوب السوري شرط أساسي للأردن لإعادة تنشيط التجارة البرية والربط مع تركيا وأوروبا.
4. لبنان: حدود ترجمة الإنجاز العسكري إلى استقرار سياسي
- الفراغ المؤسسي: أضعفت الحرب الإسرائيلية “حزب الله”، لكن هذا الفراغ لا يمكن ملؤه إلا عبر تقوية الجيش والسيادة اللبنانية برعاية عربية ودولية.
- الموقف السوري: ترفض دمشق الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع “حزب الله” بناءً على رغبات أمريكية، وتفضل الضغط السياسي والأمني لضبط الحدود وإعادة الحزب إلى شأنه الداخلي اللبناني.
ثانياً: البيئة الإقليمية الأوسع (حدود تشكيل النظام الأمني الإقليمي)
1. الخليج العربي: سورية في صلب المعادلة الإقليمية الجديدة
- الدعم السياسي والاقتصادي: قادت السعودية وقطر جهوداً لإعادة دمج سورية عربياً ودولياً ودفع مسار رفع العقوبات الأمريكية للحد من الفراغ الاستراتيجي.
- تحولات الاستراتيجية الدفاعية: دفع الوصول الأمني الإسرائيلي والحرب مع إيران دول الخليج لإعادة تقييم مظلتها الدفاعية، والذي تجسد في توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان (في آب/أغسطس 2026).
- ورقة التطبيع: أعادت السعودية توظيف ملف التطبيع بالتأكيد على عدم المساس به دون قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وحفظ استقرار دول المنطقة.
2. مصر: من التحفظ إلى إعادة التموضع الإقليمي
- تراجع التحفظ التدريجي: بدأت القاهرة بتحفظ نتيجة هواجس أيديولوجية من السلطة الجديدة، لكنها اتجهت لاحقاً لتنظيم علاقات اقتصادية ودبلوماسية لتعزيز موقعها التنافسي والإقليمي.
- القيود على إسرائيل: يساهم الانخراط المصري في الأطر التنسيقية الهادفة لمنع الهيمنة الإسرائيلية في تقييد المقاربة الإسرائيلية.
3. إيران: استقرار سورية كقيد على عودة المشروع الإيراني
- انحسار النفوذ: أسهمت الحرب وسقوط نظام الأسد في تقليص النفوذ الإيراني وفقدان الممر البري.
- مصلحة الاستقرار: أجمع الفاعلون الإقليميون والدوليون على أن بناء دولة سورية قوية ومستقرة هو الضمان الأكبر لمنع إعادة تنشيط الشبكات الإيرانية مجدداً.
ثالثاً: القوى الدولية (إدارة التوازنات وسقف المقاربة الإسرائيلية)
1. الولايات المتحدة: المصلحة العليا وشبكة الحلفاء
- إدارة شبكة الحلفاء: لم تعد المصلحة الأمريكية تنحصر في الرؤية الإسرائيلية، بل في الموازنة بين حلفائها (تركيا، الخليج، الأردن، العراق، مصر) للحفاظ على التوازن والتكامل الاقتصادي.
- التباين مع إسرائيل: ظهر الخلاف في رفع العقوبات عن سورية، رفض الكيانات الموازية، والدعوة لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج سورية ولبنان، إضافة لرفع العقوبات عن تركيا وتزويدها بمقاتلات F-35.
2. أوروبا: استقرار سورية بوصفه مصلحة أوروبية
- الأولويات الأمنية والاقتصادية: تنظر أوروبا (لا سيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا) إلى استقرار سورية كمدخل للحد من اللجوء والإرهاب وفتح مجالات الاستثمار والطاقة (مثل زيارة ماكرون وتوقيع عقود مع TotalEnergies وCMA CGM).
- تقليص النفوذ الروسي: تسعى أوروبا لملء الفراغ عبر الاستثمار والدعم المؤسسي لتقليص النفوذ الروسي وتنويع خطوط الطاقة.
3. روسيا: من حماية النظام إلى حماية المصالح
- إعادة التموضع: انتقلت موسكو بعد خسارة نظام الأسد إلى الحفاظ على حد أدنى من الوجود الاستراتيجي في الساحل وتنويع علاقاتها مع السلطة الجديدة.
- قيد التوازن: تشكل موسكو عاملاً لموازنة بعض التفاعلات، ما يحول دون انفراد إسرائيل أو غيرها بالصياغة الأحاديّة للمشهد.
نتائج وخلاصات (شبكة المصالح والتموضع السوري)
- عجز التفوق العسكري: أثبتت التجربة أن القدرة الإسرائيلية على خوض الحروب وتوسيع العمليات لا تعني القدرة على إنتاج سلام أو ترتيبات سياسية مستدامة.
- تحول موقع إسرائيل الإقليمي: أصبحت السياسات الإسرائيلية المفروضة بالقوة تشغل موقعاً مفروضاً يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لمعظم دول المنطقة الراغبة في الاستقرار والتكامل.
- فرصة وشرط للسلطة السورية: يمنح تقاطع المصالح الإقليمية والدولية دمشق هامشاً تفاوضياً واسعاً وفرصة لإعادة بناء الدولة، لكن نجاح هذه الفرصة مرهون بـ:
- الكفاءة المؤسسية والقانونية واللوجستية في استيعاب الاستثمارات ومشاريع الربط.
- تحويل الانفتاح الخارجي إلى شرعية واستقرار داخلي ملموس للمواطنين.
- التموضع الفاعل والذكي ضمن شبكات الأمان والدفاع والتجارة الإقليمية الناشئة.
حقوق الطبع والتوزيع محفوظة © مركز اليمن الرقابي











Leave a Reply