فرص استفادة سوريا من اتفاقية مكّة

توصلت كل من تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان في الأسبوع الأول من آب/ أغسطس 2026، إلى اتفاقية للدفاع المشترك بهدف تعزيز “القدرات الدفاعية السيادية” للدول المشاركة، وتحمل الاتفاقية فرصاً محتملة لسوريا بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية مع أنقرة والرياض، حتى إنْ لم تكن طرفاً فيها أو تتجه إلى الانضمام إليها خلال المرحلة الحالية.

تتمثّل أبرز هذه الفرص في الاستفادة من زيادة التنسيق السياسي والأمني بين دول الاتفاقية لدعم إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية السوريتين بعد سقوط نظام الأسد؛ حيث تمتلك تركيا قدرات مهمة في الصناعات الدفاعية والتدريب العسكري، ولدى باكستان قدرات تقنية واستخباراتية، بينما تتمتع السعودية بثقل سياسي واقتصادي يمكن أن يدعم برامج التأهيل وبناء المؤسسات.

لا تقتضي الاستفادة السورية الانضمام المباشر إلى الاتفاقية أو الدخول في التزامات دفاعية جماعية؛ فيمكن لدمشق تعزيز تعاوُنها الثنائي مع الدول الثلاث في مجالات التدريب والتسليح وتبادُل المعلومات ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود، ويتيح ذلك تطوير القدرات السورية بصورة تدريجية، دون تحميل الدولة التزامات قد تتجاوز إمكاناتها في ظلّ عدم اكتمال بناء المؤسسات واستمرار تحديات المرحلة الانتقالية.

كما يُمكن أن يوفّر تقارُب سوريا مع دول الاتفاقية مكاسب سياسية، في ظلّ ما تحظى به هذه الدول من تأييد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي ترغب -فيما يبدو- في تقليص التزاماتها الأمنية المباشرة في المنطقة والاعتماد بصورة أكبر على حلفاء إقليميين قادرين على الإسهام في تحقيق التوازن والاستقرار. ومن شأن زيادة التنسيق مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن تمنح دمشق دعماً سياسياً أوسع، وتساعدها على موازنة الضغوط الإقليمية المُلقاة عليها، ولا سيما الضغوط الأمنية الإسرائيلية.

وتبرز فرصة أخرى في المجال الاقتصادي والجيوسياسي؛ إذ تقع سوريا ضِمن الرقعة الجغرافية المؤثرة أمنياً واقتصادياً في تركيا والسعودية، كما تمثل ممراً محتملاً لمشاريع الربط بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط. وقد أعلنت أنقرة والرياض خلال عام 2026 رغبتهما في إعادة تفعيل طريق الحجاز مروراً بالأردن وسوريا، كما كُشف عن مشروع لربط الكهرباء بين البلدين عَبْر الأراضي الأردنية والسورية.

لا تنشأ هذه المكاسب الاقتصادية مباشرة من بنود الاتفاقية الدفاعية، لكن سوريا قد تستفيد من مستوى التنسيق السياسي والأمني الذي تؤسسه بين الدول المشاركة؛ حيث تحتاج مشاريع النقل والطاقة العابرة للحدود إلى بيئة مستقرة وضمانات أمنية وتفاهمات طويلة الأمد، ويمكن لسوريا أن تستفيد من الاتفاقية باعتبارها إطاراً داعماً للتقارب الإقليمي، وليس بوصفها مستفيداً مباشراً من ضماناتها الدفاعية.

وقد حرصت الدول المُشارِكة في الاتفاقية على نفي رغبتها بتوتير الأوضاع الإقليمية أو الإضرار بالعلاقات مع دول المنطقة، مع التأكيد على أنها لا تهدف لتأسيس تحالُف جديد.

ومع ذلك تُشير البنود الواردة في الاتفاقية إلى أنها أقرب من حيث مضمونها إلى حلف دفاعي؛ فقد نصت المادة الخامسة على اعتبار أيّ اعتداء على إحدى الدول المُشارِكة اعتداءً على باقي الدول. أما تجنُّب وصفها بالتحالف العسكري، فيعكس رغبة الأطراف في إبقائها ضِمن إطار دفاعي مَرِن، وعدم تقديمها باعتبارها موجَّهة مباشرة ضدّ دولة محدَّدة.

وجاء توقيع الاتفاقية بعد فترة طويلة من تنسيق المواقف، خاصة بين أنقرة والرياض، إزاء قضايا سياسية وأمنية إقليمية شملت حرب غزة، والحرب “الإيرانية – الأمريكية”، وأمن حوض البحر الأحمر، والملفين السوري واللبناني. ومع اشتعال الحرب “الإيرانية–الأمريكية” اتسعت دائرة التنسيق الإقليمي لتشمل باكستان ومصر.

وتشهد المنطقة منذ أواخر عام 2023 تطوُّرات متسارعة، كان أبرزها اندلاع حرب غزة، ثم توسيع إسرائيل نطاق الحرب باتجاه جنوب لبنان وإيران، بالتزامن مع تراجُع النفوذ الإيراني الذي كان سقوط نظام الأسد ومغادرة إيران لسوريا من أبرز مظاهره، وقد أفضت هذه التطورات إلى فراغات سياسية وأمنية دفعت عدداً من الدول الإقليمية إلى رفع مستوى التحوُّط والتنسيق فيما بينها.

كما أظهرت إسرائيل ميولاً متزايدة إلى توسيع حضورها في حوضَي البحر المتوسط والأحمر، بالتنسيق مع فاعلين ما دون الدولة، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، وسلطات إقليم أرض الصومال، وبعض الأطراف ضِمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقوات الدعم السريع في السودان، وتزامن ذلك مع العمل مع أطراف إقليمية على صياغة مسارات جديدة للطاقة والتجارة الدولية ضِمن ما يُعرف بطريق البهارات الذي تدعمه الهند إلى جانب إسرائيل.

وزادت هذه التحركات من الهواجس السعودية والتركية، ودفعتهما إلى رفع مستوى العمل المشترك والتحوط الأمني. وبذلك جاءت اتفاقية مكة استجابة لتحوُّلات أوسع في البيئة الإقليمية، وليست نتيجة تهديد منفرد أو تطوُّر عابر.

بالنسبة إلى السعودية يُعَدّ أمن حدودها وحوض البحر الأحمر، إلى جانب ضمان استقرار عمقها الإستراتيجي ومجالها الحيوي، من الدوافع الرئيسية للانخراط في الاتفاقية، في ظلّ استمرار الأذرع المدعومة من إيران بتنفيذ هجمات في المناطق الحدودية بين اليمن والسعودية، ومساعي إسرائيل لخلخلة الأمن في لبنان وسوريا وتوسيع حضورها في البحر الأحمر.

أما تركيا فتسعى إلى تعزيز دورها في رسم مسارات التجارة الدولية وممرات الطاقة الجديدة، بعدما استشعرت الخطر عندما رعت الولايات المتحدة، في أيلول/ سبتمبر 2023، إعلان طريق البهارات. كما تعتبر أنقرة نفسها طرفاً معنيّاً بأمن البحر الأحمر، الذي تمر عبره كميات كبيرة من النفط والبضائع المتجهة إلى الأسواق الدولية.

ومنذ عام 2020، تمارس تركيا سياسة نشطة في حوض البحر المتوسط لمواجهة الجهود التي قادتها إسرائيل وفرنسا بالتنسيق مع اليونان وقبرص لتقليص نفوذها في الحوض. وفي هذا الإطار استفادت أنقرة من التطوُّرات في ليبيا، وامتلكت نفوذاً مؤثِّراً في الملفّ الليبي، ووقَّعت اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، كما تطمح إلى توسيع حضورها من خلال اتفاقيات مشابهة أو ترتيبات للتعاون البحري مع لبنان وسوريا ومصر.

من جهتها تسعى باكستان إلى توسيع نطاق شراكاتها الإقليمية في إطار تنافُسها المستمر مع الهند، كما يمنحها تعزيز دورها الدبلوماسي والأمني في الشرق الأوسط ثقلاً إضافياً على الساحة الدولية. وتضيف القدرات العسكرية والتقنية الباكستانية إلى الاتفاقية بُعداً يتجاوز التنسيق السياسي بين الرياض وأنقرة.

ورغم اختلاف دوافع الدول الثلاث، فإنها تلتقي عند الرغبة في بناء قدرة إقليمية على التعامل مع التهديدات دون الاعتماد الكامل على التدخل الأمريكي المباشر، مع التحوط تجاه استمرار محاولات إيران لزعزعة الأمن عَبْر وكلائها، وتوسُّع التحركات الإسرائيلية في البحر الأحمر وسوريا ولبنان، والتنافس على ممرات الطاقة والتجارة الدولية.

في المقابل لا يخلو تقارُب سوريا مع دول الاتفاقية من أخطار؛ إذ قد تنظر إسرائيل إلى توسُّع الدور السوري الإقليمي وانخراط دمشق في مشاريع نقل الطاقة والتجارة الدولية باعتباره تهديداً لمصالحها، ما قد يدفعها إلى زيادة الضغوط الأمنية والعسكرية لتعطيل هذا المسار أو فرض قيود عليه.

كما قد يؤدي الانضمام السوري المبكر إلى علاقة غير متوازنة مع الدول الأعضاء؛ نظراً إلى الفارق الكبير في القدرات العسكرية والأمنية والاقتصادية بينها وبين سوريا، التي ما تزال تعاني آثار سنوات الحرب وعدم اكتمال بناء مؤسساتها. وقد يَحُدّ هذا الاختلال من قدرة دمشق على التأثير في قرارات الاتفاقية، ويجعلها مُتلقِّيَةً للسياسات والالتزامات أكثر من كونها شريكاً في صياغتها.

بناءً على ذلك من المستبعَد أن تنضم سوريا رسمياً إلى الاتفاقية خلال المرحلة الحالية، في ظلّ عدم استكمال توحيد الجغرافيا والمؤسسات وإرساء دعائم الاستقرار السياسي والاجتماعي، فضلاً عن حرص دمشق على عدم زيادة التوتر مع الأطراف المتوجِّسة منها، ولا سيما إسرائيل، ومع ذلك تستطيع سوريا الاستفادة من مفاعيل الاتفاقية عَبْر تعزيز التنسيق السياسي والتعاون الدفاعي والأمني الثنائي والمشاركة في مشاريع الربط الإقليمي، على أن يبقى الانضمام اللاحق مرتبطاً بمدى تقدُّم بناء الدولة وقدرتها على تحقيق توازُن بين مكاسبه والتزاماته وأخطاره.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *