كيف تُجند إسرائيل خلايا نائمة في إيران دون علمها؟

يعتمد تجنيد الجواسيس داخل إيران على عمل طويل ومعقّد تقوده أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، خاصة الموساد، عبر مزيج من الأساليب النفسية والتكنولوجية والبشرية، وفقا لتقرير بمجلة لكسبريس الفرنسية.

تستعرض الكاتبة ألكساندرا سافيانا، في تقريرها المنشور بمجلة لكسبريس الفرنسية، تفاصيل مثيرة حول آليات التجنيد التي يتبعها “الموساد” الإسرائيلي داخل الأراضي الإيرانية.

وتكشف سافيانا كيف تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من بناء شبكة عنكبوتية من العملاء مكنتها من تنفيذ عمليات نوعية، كان آخرها عملية “الأسد الصاعد” (Rising Lion) في يونيو/حزيران 2025، التي استهدفت منشآت نووية وكوادر رفيعة في الحرس الثوري.

ويبيّن التقرير أن نجاح الاختراق الاستخباراتي لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة عمل طويل ودقيق من التغلغل داخل المجتمع الإيراني.

فالموساد، وفقا للكاتبة، يمزج في إستراتيجيته بين “الصبر الإستراتيجي” الذي قد يمتد 14 عاما (كما في حالة اغتيال محسن فخري زاده)، وبين الاستغلال البراغماتي للثغرات الأمنية والاجتماعية، لتحقيق مآربه.

وتبدأ العملية، وفقا لسافيانا، برسم خريطة شاملة للفئات المختلفة، بهدف التمييز بين الموالين والمعارضين للنظام، ويتم التركيز على الأشخاص الذين يُظهِرون بوادر استياء أو انخراط في الاحتجاجات، حيث يتم “متابعة كل مظاهرة” وتحديد قادتها كأهداف محتملة للتجنيد.

بعد ذلك، تنتقل الاستخبارات إلى مرحلة الاقتراب، التي قد تتم بطرق غير مباشرة، وهنا يظهر أحد أخطر الأساليب: التجنيد دون علم الشخص نفسه أنه مجند.

ويشير التقرير إلى أن بعضهم يجهل طوال حياته أنه عمل لصالح الموساد، ويتم ذلك عبر واجهات وهمية، مثل شركات أو مجموعات معارضة في الخارج، حيث يعتقد الهدف أنه يخدم قضية داخلية، بينما هو في الواقع جزء من عملية استخباراتية.

ومن الأمثلة المذكورة أن بعض العلماء الإيرانيين شاركوا في عمليات تخريبية ظنا منهم أنهم يعملون لصالح معارضة خارجية، بينما كانوا يخدمون أهدافا إسرائيلية.

وتعطي الكاتبة كمثال على التجنيد “دون علم الهدف”، عملية تفجير مجمع “نطنز” النووي عام 2021، التي شارك فيها نحو 10 علماء إيرانيين عبر إدخال متفجرات في صناديق طعام، وهم يعتقدون تماما أنهم يعملون لصالح “مجموعات معارضة إيرانية في الخارج”.

وهذا الأسلوب، المعروف بـ”العلم الزائف”، يضمن استجابة الهدف بدافع وطني أو سياسي داخلي، بينما يكون المستفيد الحقيقي هو تل أبيب، على حد قول الكاتبة.

الأقليات العرقية (الأذريين، الأكراد، والبلوش) التي تشكل نحو 40% من سكان إيران، تمثل بيئة خصبة للتجنيد نتيجة شعور بعض أفرادها بالتهميش، كما يتم تتبع قادة الاحتجاجات الطلابية والمعارضين السياسيين بدقة لتحويل نقمة هؤلاء على النظام إلى تعاون استخباراتي مباشر

ويعتمد التجنيد أيضا على الدوافع الأيديولوجية، خاصة لدى الأقليات العرقية أو السياسية، فهذه الفئات، التي تشعر بالتهميش، تُعتبر أرضا خصبة للتجنيد.

ويركز جهاز الموساد على “الخريطة الاجتماعية” لإيران، وبحسب التقرير، فإن الأقليات العرقية (الأذريين، الأكراد، والبلوش) التي تشكل نحو 40% من سكان إيران، تمثل بيئة خصبة للتجنيد نتيجة شعور بعض أفرادها بالتهميش، كما يتم تتبع قادة الاحتجاجات الطلابية والمعارضين السياسيين بدقة لتحويل نقمة هؤلاء على النظام إلى تعاون استخباراتي مباشر.

لكن ليس جميع المجندين يتحركون بدافع القناعة، إذ يلعب العامل المالي كذلك دورا مهما، حيث يتم استقطاب بعض الأفراد مقابل مبالغ مالية.

كما يُستخدم الابتزاز كوسيلة ضغط، عبر استغلال نقاط ضعف شخصية، ويوضح التقرير هذا الأسلوب قائلا إن العملاء يبحثون عن إجابة لسؤال بسيط: ممّ قد يشعر هذا الشخص بالخجل؟ سواء كان ذلك ديونا أو علاقات سرية أو غيرها، خاصة في مجتمع محافظ.

إلى جانب ذلك، يتم استغلال الإحباط المهني والشخصي، فالنظام، بحسب التقرير، يعتمد أحيانا على العلاقات الشخصية في الترقيات، مما يخلق شعورا بالظلم لدى بعض الأفراد، ويجعلهم أكثر عرضة للتجنيد، كما قد تقدم الاستخبارات خدمات إنسانية، مثل علاج أفراد من عائلة الهدف في الخارج، لكسب ثقته وولائه.

ومن السمات الأساسية لهذه العمليات الصبر طويل الأمد، حيث قد تستمر عملية بناء العلاقة مع المصدر لسنوات، والهدف ليس فقط الحصول على معلومات، بل إنشاء شبكة داخلية فعالة.

التجنيد بات يعتمد على خوارزميات متطورة تحلل أنماط الحياة وتقوم البرامج الإسرائيلية بالربط بين المعلومات الميدانية والبيانات الرقمية لرسم صورة دقيقة لتحركات الأهداف

ويظهر ذلك في عمليات استغرقت سنوات من التحضير، مع متابعة دقيقة للأهداف تصل حد الامتزاج بهم بشكل يومي، وقد تصل هذه العمليات إلى مستوى عالٍ من الاختراق، يسمح بتنفيذ هجمات دقيقة أو اغتيالات.

في السنوات الأخيرة، تقول الكاتبة، تعززت هذه الجهود باستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث يتم تحليل البيانات لتحديد أنماط الحياة والتنبؤ بتحركات الأفراد.

وتوضح أن التجنيد بات يعتمد على خوارزميات متطورة تحلل “أنماط الحياة”، وتصف الكاتبة كيف أن البرامج الإسرائيلية تربط بين المعلومات الميدانية والبيانات الرقمية لرسم صورة دقيقة لتحركات الأهداف، وهو ما سمح بتنفيذ ضربات متزامنة ضد 100 موقع واغتيال كوادر الحرس الثوري في مخابئ محصنة، مما يعكس تغلغلا تكنولوجيا يتجاوز مجرد وجود مخبرين على الأرض.

وعلاوة على ذلك تستخدم إسرائيل الحرب النفسية لإيصال رسائل مباشرة، إذ تم تسجيل مكالمات تهديد لضباط إيرانيين خلال العمليات، في محاولة لإظهار عمق الاختراق.

وعموما يوضح التقرير أن التجنيد يقوم على مزيج من الإقناع، والخداع، والضغط، والتكنولوجيا، لكن الأخطر هو أن بعض الأفراد قد يتحولون إلى أدوات استخباراتية دون إدراكهم، نتيجة استخدام هياكل معقدة من الوسطاء والواجهات، الأمر الذي يجعلهم يعتقدون أنهم يعملون بشكل مستقل، بينما هم في الحقيقة جزء من شبكة سرية واسعة.

المصدر: لكسبرس

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *