نفط فنزويلا يدخل قلب الصراع الأمريكي الصيني

في خطوة تضع قطاع النفط الفنزويلي في صلب التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، أعلنت كاراكاس وواشنطن يوم 28 أغسطس/آب التوصل إلى اتفاق واسع للتعاون النفطي.

وبينما تقدم الإدارة الأمريكية الاتفاق بوصفه مكسباً للإمدادات المحلية وأسعار الوقود، تقرؤه تقارير ومعلقون صينيون باعتباره تحولاً يمنح الولايات المتحدة نفوذاً أكبر في سوق النفط العالمي، ويضيف ضغطاً جديداً على مصادر الخام المخفض التي تعتمد عليها المصافي الصينية.

وبحسب ما نشرته صحيفة الاقتصاد الصينية، قالت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز إن الاتفاق يسمح بمشاركة القطاع الخاص في تطوير 17 حقلاً نفطياً إستراتيجياً، باستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار، وتوقعت أن يدر ذلك على الدولة الفنزويلية أكثر من 209 مليارات دولار من الإيرادات الضريبية.

وفي المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن بلاده ستحصل على “سيطرة الأغلبية” على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية المؤكدة، من دون كلفة على دافعي الضرائب الأمريكيين، وفق قوله.

رهان أمريكي على الإمدادات والنفوذ

يضع الاتفاق النفط الفنزويلي في حسابات أمريكية تتجاوز زيادة الاحتياطي المعلن؛ ففنزويلا، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة، تعاني من قطاع نفطي تراجع بشدة نتيجة خروج شركات الطاقة الغربية ونقص التمويل وضعف الإدارة والاستثمار في البنية التحتية. وتدعم الأرقام التي أوردتها صحيفة الاقتصاد الصينية ذلك؛ حيث بلغ متوسط الإنتاج اليومي لفنزويلا 1.16 مليون برميل في يوليو/تموز، وهو أقل من نصف مستوى الإنتاج قبل عقد من الزمان.

ويعني ذلك أن الاتفاق لا يضمن تدفق كميات كبيرة من النفط فوراً، بل يفتح مساراً طويل الأجل لإعادة تأهيل الحقول وزيادة القدرة الإنتاجية. كما تظل العملية عرضة لمخاطر قانونية وسياسية في فنزويلا والولايات المتحدة، فضلاً عن صعوبة إقناع كبريات شركات النفط بتحويل رؤوس أموالها وموظفيها إلى بيئة تعتبرها شديدة التعقيد والمخاطر الاستثمارية، وفق ما نقلته الصحيفة عن الخبير إدوارد هيرس من جامعة هيوستن.

وتكتسب الصفقة أهمية إضافية في ظل ضغوط سوق الوقود الأمريكية؛ فقد بلغت مخزونات الوقود المقطر في الولايات المتحدة، وفي مقدمته الديزل، 103.4 ملايين برميل في 21 أغسطس/آب، وهو أدنى مستوى موسمي منذ بدء السجلات أوائل الثمانينيات، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها في نقل الخام، إلى جانب الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، تتعقد أزمة إمدادات الديزل العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الأمريكي بتوسيع قاعدة الإمداد.

تضييق هامش الصين في سوق النفط

يرى موقع “آسيا تايمز” أن الاتفاق الأمريكي الفنزويلي يهدد بفصل المصافي الصينية تدريجياً عن مصدر مهم للنفط الخام الثقيل منخفض السعر. فمن المتوقع أن تسيطر شراكة خاصة مدعومة من الولايات المتحدة على 55% من الإنتاج في الحقول المستهدفة، مع حقوق تطوير تمتد إلى 100 عام، مما يمنح واشنطن دوراً مؤثراً في الإنتاج والتسويق وتوجيه الشحنات.

وينقل التقرير عن كاتب من مقاطعة شانشي (غرب الصين) قوله إن الولايات المتحدة بالفعل أكبر منتج للنفط في العالم، وإن إضافة السيطرة على 65 مليار برميل ستجعل قدرتها على التأثير في أسعار النفط العالمية “غير مسبوقة”. وتمنح الصفقة واشنطن ورقة ضغط جديدة ضد الصين، بصفتها مستورداً كبيراً للطاقة، عبر قدرة أكبر على التأثير في مستويات العرض والأسعار عند الحاجة.

ويتزامن هذا التطور مع تشديد العقوبات الأمريكية على إيران، بعد أن أطلقت واشنطن في 24 أغسطس/آب حملة “المنبوذ الاقتصادي” أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت لقطع مصادر الدخل المتبقية للحكومة الإيرانية. وتسبب ذلك في زيادة صعوبة وصول الصين إلى النفط الإيراني المخفض، فتراجعت الواردات الصينية من الخام الإيراني من 823 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز إلى 534 ألفاً في أغسطس/آب.

البدائل الصينية الأعلى كلفة

تتوقع القراءة الصينية أن يدفع تضييق الإمدادات الفنزويلية والإيرانية المصافي الصينية إلى البحث عن مصادر بديلة، خصوصاً النفط الثقيل الكندي. وينقل تقرير آسيا تايمز عن كاتب من مقاطعة يٌن نان أن الخام الكندي أغلى بما بين 8 و9 دولارات للبرميل مقارنة بالخام الفنزويلي، مما يرفع تكلفة الإمدادات الصينية.

لكن الكاتب نفسه لا يعتبر هذا التحول خسارة خالصة؛ لأن خام الرمال النفطية الكندية قريب في خصائصه من الخام الفنزويلي، مما يعني أن المصافي الصينية لن تحتاج إلى تعديلات واسعة في عمليات التكرير، كما أن قصر مسافة الشحن يتيح سرعة أكبر في دوران رأس المال وانتظاماً أعلى في التسليم.

ويشدد جنغ تشينغ، وهو كاتب من مقاطعة شانشي، على أن الأثر المباشر في الصين يبقى محدوداً وقابلاً للاحتواء؛ لأن النفط الفنزويلي يشكل أقل من 3% من إجمالي واردات الصين النفطية، لكنه يرى أن الأثر غير المباشر قد يكون أكثر أهمية إذا تحول الاتفاق إلى قناة لزيادة السيطرة الأمريكية على الإمدادات والأسعار وآليات التسوية المالية.

احتمالات أوبك والديون الصينية المستحقة

تضيف احتمالات انسحاب فنزويلا من منظمة “أوبك” بعداً آخر إلى المشهد. ووفق “آسيا تايمز”، تدرس كاراكاس هذه الخطوة في سياق تقاربها المتزايد مع واشنطن، مما قد يحررها من قيود الإنتاج المحددة داخل المنظمة، إلا أن القرار لم يتخذ بصورة نهائية. ويرى جنغ تشينغ أن خروج فنزويلا من أوبك قد يعيد ترتيب سوق الطاقة من 3 زوايا:

  • تعزيز نظام البترودولار: من خلال تحسين موقع الدولار كعملة رئيسية لتسوية مبيعات النفط الفنزويلي.
  • ضبط عوائد السندات: تسهيل التحكم في عوائد سندات الخزانة الأمريكية ورفع احتمالات استقرار الأسعار بفضل زيادة الإمدادات الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
  • إضعاف تماسك “أوبك+”: إذا رفعت كاراكاس إنتاجها خارج نظام الحصص.

وفي المقابل، تتطرق التقارير الصينية إلى المصالح المالية لبكين في فنزويلا؛ إذ قدمت الصين قروضاً تتراوح بين 50 و60 مليار دولار عبر آليات من بينها الصندوق الصيني الفنزويلي المشترك موجهة للسكك الحديدية والكهرباء والإسكان وتحديث الحقول النفطية، ويقدّر كاتب من مقاطعة خنان الديون المستحقة حالياً بنحو 10 إلى 20 مليار دولار. ومن هذا المنطلق، قد يحمل التوسع في صادرات فنزويلا مفارقة للصين؛ فهو قد يقلص قدرتها المباشرة على الحصول على النفط الفنزويلي بشروط تفضيلية، لكنه قد يحسن الوضع المالي لكاراكاس ويرفع قدرتها على سداد مستحقات بكين.

معركة على قواعد السوق والنفوذ

تخلص التقارير الصينية إلى أن القضية لا تتعلق بمصدر نفطي إضافي للولايات المتحدة فحسب، بل بمعركة على قواعد السوق والنفوذ، وحول من يحدد حجم الإنتاج، ومن يوجه الشحنات، ومن يملك هامش التأثير في الأسعار والعملات والديون.

وتبدو الصفقة جزءاً من ضغط متدرج على الصين يجمع بين تقليص وصولها إلى النفط الإيراني المخفض وإعادة ترتيب قطاع النفط الفنزويلي تحت مظلة النفوذ الأمريكي. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة واشنطن على تحويل الوعود الاستثمارية إلى إنتاج فعلي، وبمدى استقرار الوضع السياسي والقانوني في فنزويلا، وبكيفية تفاعل الصين وروسيا مع خسارة جزء من نفوذهما الاقتصادي هناك.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *