لم ينجح انتقال السلطة في سوريا نهاية عام 2024 في رأب الصدع الداخلي كما كان مأمولًا، بل سرعان ما عاد التوتر ليُشكّل العنوان الأبرز للعلاقة بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية. فبدل أن يُمهّد اتفاق 10 مارس 2025 لمرحلة تهدئة وتفاهم، جاءت التطورات اللاحقة لتكشف هشاشته، وتوضح مدى تعقيد النقاش الدائر حول مستقبل الدولة بين المركزية واللامركزية، لا سيما في ظل التدخلات الإقليمية والدولية التي تزداد عمقًا وتأثيرًا.
حلب … شرارة التصعيد الجديد
في أكتوبر 2025، تحولت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في قلب حلب إلى مسرح لاشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقسد. المحافظة التي كانت تُعد نموذجًا هشًا لمرحلة “ما بعد وقف إطلاق النار”، وجدت نفسها أمام موجة قتال شاملة، شاركت فيها الأسلحة الثقيلة وأجبرت عشرات العائلات على الفرار.
دمشق اتهمت قسد باستهداف المدنيين وعناصر الجيش والأمن، فيما رأت قسد أن تحركات الجيش “استفزازية” وتدلّ على نوايا لتوسيع السيطرة. الأخطر أن تلك الاشتباكات شكّلت انتهاكًا واضحًا لاتفاق 10 مارس، بعد إغلاق مداخل الحيين وفرض حصار فعلي، إضافة إلى إعادة بناء السواتر الترابية رغم النص السابق على إزالتها.
وتجاوزت المواجهات حدود حلب، لتصل إلى محيط سد تشرين ومناطق أخرى في شرق المدينة، رغم أن تلك المواقع كانت مخصصة للدوريات المشتركة والاستقرار الأمني. ومع توقف إطلاق النار في 7 أكتوبر، عقب جولة مكثفة من الوساطة الأميركية وزيارة مظلوم عبدي إلى دمشق، أصبح من الواضح أن العلاقة بين الطرفين مقبلة على مرحلة أكثر حساسية، وأن الخلافات السياسية بدأت تتحول إلى صدام ميداني مباشر.
معركة الدولة: مركزية الحكم أم لامركزية موسعة؟
الانقسام العميق بين دمشق وقسد يعود في جوهره إلى سؤال الدولة: كيف يجب أن تُدار سوريا؟
الرئيس المؤقت أحمد الشرع يكرر أن “كل السلاح يجب أن يكون تحت الدولة” وأن أي شكل من أشكال الفيدرالية أو الحكم الذاتي هو “خط أحمر” وتهديد مباشر لوحدة البلاد.
في المقابل، تتمسك قسد والإدارة الذاتية برؤية مغايرة تمامًا: دولة ديمقراطية علمانية، تقوم على اللامركزية، وتضمن للأكراد والأقليات دورًا واضحًا في إدارة مناطقهم. وقد أكد مظلوم عبدي أن قسد ملتزمة بوحدة سوريا، لكنها لن تقبل بعودة “المركزية القديمة” دون ضمانات حقيقية.
الخلاف ليس سياسيًا فقط، بل يتغذّى من فقدان الثقة. فقرارات الحكومة الانتقالية—من الإعلان الدستوري إلى تشكيل لجنة انتخابات مجلس الشعب—صدرت بشكل منفرد، ما زاد شكوك الإدارة الذاتية وفصائل محلية أخرى مثل جزء من الدروز في السويداء.
كما أن تعيين قيادات عسكرية ذات خلفيات سلفية أو مرتبطة سابقًا بهيئة تحرير الشام يثير حذر قوى عديدة، ويُصعّب على الحكومة إقناع قسد بعملية دمج قواتها في الجيش الجديد، خاصة أنها ترى ذلك خطوة نحو تصفية وجودها السياسي.
وفي أغسطس 2025، أعلن مؤتمر الإدارة الذاتية في الحسكة رؤيته الأكثر وضوحًا لسوريا اللامركزية، بما في ذلك إنشاء محافظات ذات أغلبية كردية. ردّ الحكومة جاء سريعًا وحادًا: رفض تام وتعليق الحوار.
اتفاق 10 مارس.. طموح كبير فوق أرض رخوة
عندما وُقّع اتفاق 10 مارس بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، طُرح كأنه بداية “مرحلة جديدة” تُنهي سنوات الانقسام. لكن الاتفاق حمل منذ البداية بذور أزمته، لأنه حاول إرضاء مطالب متناقضة:
- قسد تريد اعترافًا سياسيًا واضحًا واندماجًا تدريجيًا يحفظ استقلالية قرارها العسكري.
- دمشق وتركيا تريدان دمجًا كاملًا وانتهاءً نهائيًا لأي هيكل مستقل.
بالنسبة لقسد، تسليم السلاح يعني تسليم مصير الإدارة الذاتية نفسها، وهذا غير قابل للنقاش. أما لتركيا ودمشق، فالدمج يعني خطوة مؤقتة نحو حل قسد على المدى المتوسط، لأن بقاء قوة كردية مسلحة مستقلة يعتبر تهديدًا استراتيجيًا.
ولهذا، تبادل الطرفان الاتهامات:
- الحكومة تقول إن قسد “تباطئ” لأنها تريد فرض مشروعها اللامركزي.
- قسد تقول إن الحكومة “تستخدم الدمج غطاءً للحل” وتغضّ الطرف عن هجمات الفصائل المدعومة من تركيا.
ويتعمّق الخلاف في الملف الاقتصادي، حيث تتمسك قسد بالسيطرة على موارد الجزيرة السورية، من النفط إلى المعابر، وتعتبر التخلي عنها “تنازلًا لا رجعة فيه”.
اللاعبون الخارجيون.. سوريا بين خمسة جدران
الأزمة لا تقتصر على الداخل، بل تتقاطع مع مصالح خمس قوى مؤثرة:
أولًا: الولايات المتحدة
تتبنى واشنطن سياسة مزدوجة:
- دعم الحكومة الانتقالية وتخفيف العقوبات تدريجيًا،
- وحماية قسد ومنع انهيارها،
على أن يلتزم الطرفان باتفاق 10 مارس وبخارطة طريق توصل إلى وحدة البلاد دون إقصاء. زيارة توماس باراك وبراد كوبر للاجتماعات بين الشرع وعبدي دليل على عمق هذا الدور.
ثانيًا: تركيا
ترى أن قسد تهديد مباشر لأمنها القومي، وترفض أي صيغة لا تتضمن نزع سلاحها ورحيل قياداتها المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وهذا يمنح دمشق ورقة ضغط في المفاوضات، ولكنه أيضًا يقيدها. الشرع لوّح باحتمال عملية تركية نهاية 2025 في حال فشل عملية الدمج—رغم المعارضة الأميركية والعواقب الداخلية المحتملة في تركيا نفسها.
ثالثًا: إسرائيل
إسرائيل تعمل ضمن حسابات مختلفة:
- تريد سوريا ضعيفة وغير مركزية،
- تستمر في عملياتها جنوبًا،
- وتضغط باتجاه اتفاق أمني بوساطة أميركية.
والأهم أن أي تقدم في هذا الاتفاق قد يعيد ترتيب أولويات واشنطن ودمشق، ويجعل ملف قسد أقل إلحاحًا.
رابعًا: فرنسا
باريس هي الصوت الأوروبي الأكثر دعمًا للطموح الكردي، وتعتبر الإدارة الذاتية نموذجًا لإدارة التنوع. وهي تشترط على الحكومة الانتقالية إصلاحات سياسية واضحة وضمانات لحقوق الأقليات.
خامسًا: روسيا
رغم انخفاض وتيرة نفوذها منذ 2024، لا تزال موسكو متمسكة بمفهوم الدولة المركزية وتعارض أي شكل من اللامركزية الواسعة، ما يجعل موقفها قريبًا من دمشق وأنقرة في الملف الكردي.
مفترق طرق بلا خرائط جاهزة
أظهرت أحداث أكتوبر 2025 أن اتفاق 10 مارس لم يكن كافيًا لتجاوز الهوة العميقة بين رؤيتين متناقضتين لطبيعة الدولة السورية الجديدة. فالاتفاق، رغم ما حمله من آمال، ظلّ أقرب إلى إطار عام فضفاض لم تُعالَج فيه الملفات الجوهرية: من شكل النظام السياسي إلى مستقبل السلاح والموارد والهوية الإدارية للمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة منذ سنوات.
والمؤكد اليوم أن البلاد تقف أمام لحظة دقيقة، حيث لم يعد الصدام بين الحكومة وقسد مجرد خلاف سياسي أو اشتباك عابر، بل مؤشرًا إلى اختبارات أكبر تتعلق بقدرة الدولة نفسها على إعادة إنتاج مشروع وطني يتسع للجميع. فالوحدة الجغرافية لا يمكن أن تتحقق دون وحدة سياسية، وهذه الأخيرة تتطلب مسارًا واضحًا للثقة، وضمانات دستورية لا تعتمد على النوايا بل على نصوص مُلزمة تُشعر جميع المكونات—كردية كانت أم عربية أم سريانية—أنها جزء أصيل من مستقبل البلاد لا مجرد أطراف يمكن الاستغناء عنها.
وفي المقابل، يجد الرئيس أحمد الشرع نفسه أمام معادلة شائكة: فهو مطالب بفرض سلطة الدولة وبناء مؤسسات قوية ومركزية، وفي الوقت نفسه مطالَب بعدم تكرار نماذج الماضي التي حوّلت المركزية إلى احتكار للقرار وشكلت أساسًا للتوترات التي انفجرت لاحقًا. أما قسد، فهي بدورها أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يستمر بمعزل عن الدولة، كما أن التمسك المفرط بالاستقلال الفعلي يجعلها هدفًا لقوى إقليمية كبرى قد تبحث عن الفرصة المناسبة لتصفية وجودها.
إلى جانب ذلك، تفرض البيئة الإقليمية والدولية تعقيدًا إضافيًا؛ فكل طرف خارجي—من واشنطن إلى أنقرة وباريس وموسكو—ينظر إلى العلاقة بين دمشق وقسد من زاويته الخاصة، ما يجعل أي تفاهم داخلي هشًا ما لم يملك الطرفان إرادة حقيقية لعزله عن التجاذبات الخارجية، أو على الأقل تقليل أثرها.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط وقف الاشتباكات أو إعادة فتح قنوات الحوار، بل إعادة بناء عقد سياسي جديد يكون أساسًا لعهد مختلف، تُوزَّع فيه الصلاحيات بوضوح، وتُحمى فيه الحقوق، وتُدار فيه الموارد بشفافية، وتُدمج فيه القوى العسكرية ضمن مؤسسة وطنية واحدة لا تُقصي أحدًا. من دون ذلك، سيظل مشروع وحدة سوريا معلقًا بين طموحات لم تكتمل، وخلافات لم تُعالَج، وضغوط خارجية لا تنفك تعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
لقد أصبحت اللحظة الراهنة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوريين على تجاوز انقساماتهم وصياغة مستقبل مشترك. فإما أن يُبنى هذا المستقبل على رؤية جامعة تستوعب التنوع وتحوّله إلى مصدر قوة، أو تستمر البلاد في الدوران داخل الحلقة نفسها التي أرهقتها لسنوات: صراع سلطات وتنازع مشاريع، بلا نهاية واضحة ولا بداية جديدة.
المصدر: اليمن الرقابي











Leave a Reply