كيف تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع رقمي–عسكري

شهد البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، بعدما أصبحت الحرب الرقمية ذراعاً تمهّد مباشرة للضربات العسكرية، في تطور غير مسبوق لأساليب المواجهة في هذا الممر البحري الحيوي.

فقد كشفت تقارير أمنية دولية، اطّلع عليها موقع “الحل نت”، أن هجمات إلكترونية مرتبطة بإيران لعبت دوراً أساسياً في تمكين جماعة “الحوثي” من استهداف سفن تجارية تمر عبر واحد من أهم خطوط الملاحة العالمية.

من حرب إلكترونية إلى عمليات قصف

لطالما تم التعامل مع الهجمات السيبرانية بوصفها تهديداً منفصلاً عن العمليات العسكرية التقليدية. غير أن الهجمات الأخيرة التي نفذتها جماعة “الحوثي” أثبتت أن الفضاء الرقمي بات أداة استخباراتية مباشرة تُستخدم لتحديد الأهداف الميدانية بدقة.

وبدءاً من عام 2021، كثّفت مجموعات قرصنة مرتبطة بـ“الحرس الثوري” الإيراني نشاطها، وعلى رأسها مجموعة Imperial Kitten، حيث نفذت عمليات تسلل معقدة إلى أنظمة التعريف التلقائي للسفن (AIS)، النظام المسؤول عن إرسال بيانات الموقع والهوية والمسار.

هذا النظام، الذي أُنشئ لحماية الملاحة، تحول إلى ثغرة مكّنت الحوثيين من تعقب السفن لحظة بلحظة، بل والوصول إلى ما يحدث على متن بعضها عبر اختراق كاميرات المراقبة.

اختراق يسبق إطلاق الصاروخ

أحد أبرز الأمثلة وقع في يناير/كانون الثاني 2024، حين حصل القراصنة على بيانات دقيقة لسفينة تجارية معينة، ليتبع ذلك بأيام استهداف السفينة نفسها بصاروخ أطلقته جماعة “الحوثي”.

وتؤكد التحقيقات أن العملية لم تعتمد على مراقبة ميدانية، بل قامت بالكامل على معلومات جرى الحصول عليها عبر الاختراق الإلكتروني، ما يعكس تكاملاً واضحاً بين الهجوم الرقمي والضربة العسكرية.

حرب جديدة تتشكل في البحر الأحمر

باتت هجمات “الحوثيين” تُبنى على قاعدة بيانات رقمية واسعة، تحدد مسار السفن وتوقيت مرورها بدقة، وهو ما حول المعلومات السيبرانية إلى جزء أساسي من منظومة الهجوم العسكري.

ويرى خبراء أن هذا النمط يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة الحرب البحرية، ويكشف مستوى متقدماً من التنسيق بين إيران وجماعة “الحوثي”، حيث يعمل المجال السيبراني والمجال العسكري كجبهة واحدة دون فاصل بينهما.

ورغم انطلاق الهجمات من الأراضي اليمنية، إلا أن تأثيرها عالمي، كون البحر الأحمر يشكل شرياناً يربط آسيا بأوروبا ويمر عبره نحو 12 بالمئة من التجارة الدولية.

ومع استمرار التصعيد، تتنامى المخاوف من اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واحتمال دخول قوى دولية إضافية في دائرة المواجهة