فنزويلا بعد مادورو.. من يملأ الفراغ؟ ومن يملك مفاتيح الثروة؟

بعد أسابيع من الإطاحة بنيكولاس مادورو واحتجازه في الولايات المتحدة، وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن “وصول عادل” للشركات إلى المعادن الحيوية في إطار منافسة الصين، تكشف الوقائع الميدانية أن الثروة نفسها محاصرة بسؤال أكبر: من يفرض السيادة على الأرض… ومن يضمن أن لا تتحول موارد فنزويلا إلى وقود لفوضى جديدة؟

بعد أسابيع من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واحتجازه لدى السلطات الأمريكية، تكشف التطورات المتزامنة في جنوب فنزويلا وفي أروقة القضاء الأمريكي عن صورة دولة تتقاطع فيها الأطماع الجيوسياسية مع نفوذ الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

فقد أصبحت فنزويلا وكأنها دخلت مرحلة “ما بعد الدولة” أكثر من دخولها مرحلة انتقال سياسي، ففي جنوب البلاد، حيث تخفي الغابات ثروات هائلة لا تُمسك الحكومة الجديدة بمفاتيح المناجم ولا بمفاتيح الأمن، بل تتحكم شبكات مسلحة عابرة للحدود في طرق الوصول والجباية والعمل.

ولأهمية الموضوع، أفردت صحيفة وول ستريت جورنال تقريرين منفصلين تناولا هذه التطورات من زاويتين مختلفتين، حيث ذكرت الصحيفة أن الغابات الفنزويلية -وتحديدا في ولايتي بوليفار وأمازوناس- تخبئ في باطنها ثروات هائلة من الألماس والذهب، والأهم من ذلك مادة “الكولتان” أو ما يعرف بـ”الذهب الأزرق”، وهو مركب حيوي لصناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وغيرها من التقنيات الحديثة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه منذ الغارة الأمريكية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي مادورو في 3 يناير/كانون الثاني، دأب مسؤولون في إدارة دونالد ترمبعلى الحديث عن رغبتهم في الوصول إلى هذه الموارد، في إطار خطة أوسع لكسر هيمنة الصينعلى إمدادات المعادن الحيوية المستخدمة في التكنولوجيا الحديثة.

ونقلت الصحيفة عن مساعد وزير الخارجية الأمريكي كاليب أور قوله في إيجاز صحفي: “فنزويلا غنية باحتياطيات المعادن الحيوية، ونسعى لضمان وصول عادل للشركات الأمريكية والمتوافقة معها إلى السوق الفنزويلية”.

غير أن الوصول إلى هذه الثروات يصطدم بواقع أمني معقّد، إذ تسيطر جماعات مسلحة إجرامية على مساحات شاسعة من جنوب البلاد، بما في ذلك مناجم الذهب والكولتان.

وتفيد شهادات عمال تعدين وخبراء إقليميين تحدثوا إلى وول ستريت جورنال، أن هذه الجماعات، وعلى رأسها جيش التحرير الوطني وفلول قوات فارك الكولومبية، حوّلت التعدين غير القانوني إلى نشاط صناعي واسع النطاق.

وقال ويلسون توريس، وهو عامل تعدين مخضرم، للصحيفة: “المليشيات تتحكم في كل شيء”. وأضاف أن الجماعات المسلحة تسجل الوافدين إلى مواقع التعدين، وتفرض رسوما على كل أونصة ذهب تُستخرج، وتطبّق عقوبات قاسية تشمل العمل القسري والإعدام العلني في بعض الحالات.

وبحسب روايات متعددة استندت إليها وول ستريت جورنال، فإن الغابات المطيرة تُجرف كليا لإقامة مناجم مكشوفة، كما تنتشر عمالة الأطفال على نطاق واسع، وتعاني المخيمات من تفشّي الملاريا وأمراض أخرى. وقال أحد عمال التعدين إن ربيبه البالغ 21 عاما قُتل عندما سقطت صخرة داخل حفرة تعدين، مضيفا: “الخطر موجود في كل لحظة”.

ومع غياب مؤسسات الدولة عن المشهد فإن المؤسسة الرسمية الوحيدة الحاضرة في تلك المناطق -الجيش الفنزويلي- يؤدي دورا ملتبسا، طبقا لأحد التقريرَين. فبينما تنفّذ وحداته مداهمات دورية، يقول عمال وخبراء إن هذه العمليات غالبا ما تكون شكلية، وإن الجيش “يتقاسم الأرباح” مع الجماعات المسيطرة على المناجم.

وعلّقت إليزابيث ديكنسون، نائبة مدير برنامج أمريكا اللاتينية في مجموعة الأزمات الدولية، قائلة: “في الوقت الراهن، لا أرى كيف يمكن ضمان وصول آمن للشركات الأجنبية إلى هذه المناطق”.
ومع أن الحرس الوطني الفنزويلي، الذي يُعد جزءا من المؤسسة العسكرية الرسمية، يشن مداهمات دورية ويحرق طائرات الإمداد لإظهار الجدية أمام واشنطن، فإن الخبراء يصفون هذه التحركات بأنها شكلية، حيث تعود المناجم للعمل فور رحيل هذه القوات.

وفي مدينة إنيريدا الكولومبية القريبة من الحدود، يعتمد الاقتصاد المحلي بشكل شبه كامل على نشاط التعدين في فنزويلا.

وأفاد تجار ذهب للصحيفة بأن تطبيق القوانين التي تجرّم شراء الذهب المستخرج من مناجم غير قانونية “ضعيف أو شبه معدوم”. وقال أحد أصحاب المتاجر إن “الجميع يعرف من أين يأتي الذهب، لكن نادرا ما يُسأل أحد”.

على جبهة أخرى لا تقل سخونة، يتحرك مسار قضائي موازٍ في قاعات المحاكم الأمريكية في نيويورك، قد يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل فنزويلا السياسي.

فبينما يقبع نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريسخلف القضبان في سجن بروكلين الفدرالي في انتظار المحاكمة، أبدى عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين في فنزويلا استعدادهم للتعاون مع الادعاء الأميركي.

ونقلت الصحيفة عن اللواء السابق كليفر ألكالا -المحكوم عليه بالسجن نحو 22 عاما بعد إقراره بتقديم دعم عسكري لقوات فارك الكولومبية- قوله في مقابلة هاتفية من سجنه بولاية ماريلاند: “منذ القبض على مادورو، أنام براحة أكبر”. وأضاف في رسالة بعث بها إلى الرئيس ترمب: “سأظل تحت تصرفكم للتعاون الكامل، بما يخدم أمن وعدالة بلدكم وبلدي”.

كما أكدت مصادر مطلعة أن رئيس الاستخبارات العسكرية السابق هوغو كارفاخال الملقب “إل بويو” يجري محادثات مع المدعين ليكون شاهدا متعاونا.

وفي رسالة بعث بها إلى الرئيس ترمب، قال كارفاخال “أكتب لأُكفِّر عن ذنوبي بقول الحقيقة كاملة، حتى تتمكن الولايات المتحدة من حماية نفسها من الأخطار التي شهدتها لسنوات طويلة”.

وصرح سانداليو غونزاليس، المحقق السابق في إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، للصحيفة بأن شهادات هؤلاء القادة العسكريين، الذين كانوا يشغلون مناصب مفصلية، ستدعم الرواية وتثبت “فرضية المؤامرة” التي تزعم أن الحكومة الفنزويلية السابقة كانت ترعى تجارة المخدرات.