اليمنيون على حافة الجوع

خالد العفيفي – اليمن الرقابي

بين شعاب الجبال ووديان المدن المنهكة، يواجه اليمنيون في عام 2025 واحدة من أقسى المراحل التي عرفتها البلاد منذ اندلاع النزاع قبل أكثر من عشر سنوات. فالمجاعة اليوم لم تعد مجرّد تحذير عابر، بل باتت شبحًا يخيّم على موائد الملايين، وسط مؤشرات اقتصادية واجتماعية تُنذر بانزلاق البلاد نحو أسوأ أزماتها الإنسانية.

التقرير الأخير للبنك الدولي يرسم صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الاقتصاد اليمني تعرّض خلال النصف الأول من العام لضغوط غير مسبوقة، بسبب الحصار المفروض على صادرات النفط، وتفاقم التضخم، وتراجع المساعدات الإنسانية، إلى جانب تراكمات الحرب والانقسام المؤسسي الذي شلّ قدرات الدولة.

وبحسب التقرير، من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% هذا العام، وهو رقم صغير في مظهره، كبير في دلالاته، إذ يعني استمرار تآكل القدرة الشرائية وانحدار ملايين الأسر إلى تحت خط الفقر الغذائي. أكثر من 60% من الأسر في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا وفي مناطق سيطرة الحوثيين تقف اليوم على حافة الجوع، وفق ما يؤكده البنك الدولي، ما دفع كثيرين إلى تبني آليات نجاة قاسية؛ من تخفيض عدد الوجبات اليومية إلى إرسال الأطفال للتسول أو للعمل في مهن مرهقة.

في المقابل، تعاني الحكومة من تراجع حاد في الإيرادات تجاوز 30% خلال العام الجاري، نتيجة توقف صادرات النفط وتقلص مواردها المحلية، ما دفعها إلى خفض الإنفاق العام وتأخير رواتب الموظفين. أما في مناطق الحوثيين، فالمشهد لا يقل قتامة، حيث تتفاقم أزمة السيولة ويتصاعد شح المواد الأساسية، خصوصًا بعد تعرّض موانئ رئيسية لضربات جوية أثرت بشكل مباشر على حركة التجارة ورفعت تكاليف النقل والإمداد إلى مستويات غير مسبوقة.

التحذيرات الدولية لم تتوقف عند هذا الحد. تقرير “بؤر الجوع” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، والذي يغطي الفترة من نوفمبر 2025 حتى مايو 2026، صنّف اليمن ضمن الدول الأكثر عرضة لتفاقم الجوع الحاد. ويشير التقرير بوضوح إلى أن النزاع والعنف ما يزالان المحركين الأساسيين لأزمة الغذاء، حيث أدّت المعارك المتقطعة والاضطرابات الاقتصادية إلى تعطّل سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج الزراعي المحلي.

ورغم محاولات السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية تحسين آليات توزيع الغذاء وتقديم دعم للفئات الأكثر هشاشة، تبقى هذه الجهود خجولة أمام حجم المأساة. فالمؤسسات المحلية نفسها ترزح تحت وطأة الانقسام الحاد، وشحّ الموارد، وانعدام القدرة الفعلية على مواجهة أزمة بهذا الحجم.

في المحصّلة، يقف اليمن اليوم أمام منعطف حرج؛ بلد أنهكه الصراع والعزلة، وشعب يواجه قدره بصبر لا ينفد، لكن بأمل يزداد هشاشة كل يوم. وبين التحذيرات الدولية والواقع المرير، يبقى السؤال معلقًا: هل يتحرك العالم قبل أن تُغلق نافذة النجاة الأخيرة؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *